الدعم المكثف مادة الرياضيات
مقدمة
في كل قسم دراسي تقريبًا مشهد مألوف. تلميذ يجلس في آخر الصف لأنه لم يتمكن بعدُ من الجمع فتعثر في الطرح. وتلميذ آخر ينهي التمارين في دقائق ثم ينتظر زملاءه. وبينهما تلاميذ متوسطون يسيرون بوتيرة عادية. حين يُدرَّس الجميع بالإيقاع نفسه وبالمحتوى نفسه، يخسر الأطراف الثلاثة. المتعثر لا يلحق بالدرس، والمتميز لا يتقدم، وحتى المتحكم لا يجد ما يدفعه إلى الأمام.
من هنا جاءت فكرة الدعم المكثف. هو مرحلة مركّزة من السنة الدراسية يُعاد فيها تنظيم التعلم، فينطلق كل متعلم من النقطة التي تناسب مستواه الحقيقي، لا من نقطة يفترضها المقرر للجميع. لكن الدعم المكثف ليس مجرد حصص إضافية. هو سيرورة متسلسلة، لكل مرحلة فيها وظيفة، ولا تنجح المرحلة اللاحقة إلا إذا أُنجزت السابقة بجودة.
يقدّم هذا المقال عرضًا مفصلًا لهذه السيرورة في مادة الرياضيات، مرحلة بعد مرحلة، ليفهم الأستاذ وكل مهتم بالشأن التربوي كيف تبدأ وكيف تسير وكيف تنتهي، ولماذا صُممت على هذا النحو.
المرحلة الأولى: الرائز القبلي، حجر الأساس
يبدأ الدعم المكثف بالرائز القبلي، وهو امتحان يجتازه كل متعلم بشكل فردي في مواد التعلمات الأساس الثلاث: الرياضيات واللغة العربية واللغة الفرنسية. وظيفته تشخيص المستوى الحقيقي لكل تلميذ في بداية المرحلة، قبل أي تدخل بيداغوجي.
ينبغي أن نؤكد هنا أن نجاح مرحلة الدعم كلها يتوقف على مدى حقيقة نتائج هذا الرائز وموضوعيتها. فكل ما يأتي بعده، من توزيع على المجموعات ومن اختيار للبنات ومن تخطيط للحصص، مبني على هذه النتائج. فإذا أُنجز الرائز في ظروف غير سليمة، أو ساعد أحدٌ التلميذ في الإجابة، أو صُحّح بتساهل مفرط أو بتشدد غير مبرر، فستكون الصورة التي نبني عليها مشوّهة. وقد يُوضَع تلميذ متعثر في مجموعة أعلى من مستواه فلا يستفيد، أو يُوضَع تلميذ متحكم في مجموعة أدنى فيضيع وقته.
لذلك يستحسن أن يُمرَّر الرائز القبلي في ظروف تنظيمية جيدة، بجدية ووضوح، وأن يُصحَّح وفق سلم تنقيط محدد، وأن تُفرَّغ نتائجه بدقة. فالرائز هنا ليس امتحانًا للحكم على التلميذ، بل أداة لمعرفة من أين نبدأ معه.
المرحلة الثانية: توزيع التلاميذ على المسارات
بعد تصحيح الرائز وتفريغ نتائجه، يُوزَّع تلاميذ المستوى الواحد إلى مجموعات حسب مستوى تحكمهم في التعلمات، وتُدرج كل مجموعة في أحد ثلاثة مسارات.
المسار الأول مخصص للتلميذ المتعثر في الرائز، أي الذي لم يتحكم بعدُ في التعلمات الأساسية المطلوبة.
المسار الثاني مخصص للتلميذ المتحكم، أي الذي أظهر تمكنًا مقبولًا من التعلمات.
المسار الثالث مخصص للتلميذ المتميز الذي أظهر تفوقًا واضحًا في الرائز.
وتنبغي الإشارة إلى أن المسار الثالث، في مادة الرياضيات، لا يُفتح إلا ابتداءً من المستوى الرابع إلى المستوى السادس ابتدائي. أما المستويات الأدنى فيتوزع تلاميذها على المسارين الأول والثاني.
الفكرة من هذا التوزيع بسيطة: لا يجلس في المجموعة نفسها تلاميذ تفصل بينهم فجوات كبيرة في التحكم، فيتمكن الأستاذ من مخاطبة كل مجموعة بما يناسبها. ومن المهم أن يُفهم هذا التوزيع على أنه توزيع مؤقت مرتبط بمرحلة الدعم، وليس تصنيفًا نهائيًا للتلميذ. فالمتعثر اليوم قد يتحكم غدًا، وهذا هو الهدف بالضبط.
المرحلة الثالثة: كراسة واحدة ونقاط انطلاق مختلفة
من أذكى ما في هذه السيرورة أن الكراسة المعتمدة خلال الدعم واحدة، وأن الدروس نفسها بالنسبة للمسارين الأول والثاني. ما يختلف هو نقطة البداية داخل الكراسة. فالكراسة مقسّمة إلى لبنات، مرتبة من الأبسط إلى الأعقد، كل لبنة تبني على التي قبلها.
فتلاميذ المسار الأول يبدؤون من اللبنات الأولى. ففي المستوى الثاني مثلًا يبدؤون من الأرقام، وفي المستويات الأخرى يبدؤون من الجمع. والسبب أن التعثر في الرياضيات غالبًا ما يعود إلى ثغرة في الأساس، وأي محاولة للمضي قدمًا دون سدّها تشبه البناء على أرض رخوة.
أما تلاميذ المسار الثاني فيبدؤون من لبنات أعلى من حيث مستوى التعلمات. فقد ينطلقون مثلًا من الطرح أو الضرب، ثم ينتقلون إلى القسمة. فهؤلاء تحكموا في الأساسيات، ولا حاجة إلى إعادتها عليهم من الصفر.
وأما تلاميذ المسار الثالث فيبدؤون من مستوى أعلى، أي الضرب أو القسمة، ثم يصلون إلى لبنة التحدي، وهي لبنة مصمّمة لمن يريد أن يذهب أبعد وأن يوظّف ما تعلمه في وضعيات أكثر تعقيدًا.
هذا المنطق صريح ومفيد للمتعلمين. فكل تلميذ يعمل على ما يحتاجه فعلًا، والكراسة الموحدة تسهّل على الأستاذ التدبير، لأن المحتوى واحد في أصله وإن اختلفت نقاط الانطلاق.
المرحلة الرابعة: المواكبة برائز عند نهاية كل لبنة
قد يُظن أن المهمة تنتهي بتوزيع التلاميذ وتحديد نقطة انطلاقهم. لكن التجربة تُثبت العكس، فلا بد من مواكبة التلاميذ أثناء الدعم والتأكد من أنهم يتقدمون فعلًا لا شكلًا.
ولهذا يُمرَّر رائز عند نهاية كل لبنة، قبل الانتقال إلى اللبنة الموالية. والقاعدة المعتمدة واضحة: يلزم بلوغ نسبة تحكم قدرها 70 بالمئة في تعلمات اللبنة ليُسمح للتلميذ بالمرور إلى اللبنة الأعلى.
وتنبع أهمية هذه القاعدة من طبيعة الرياضيات نفسها. فلا يمكن للتلميذ أن يُتقن القسمة وهو لم يثبّت الضرب، ولا أن يفهم الضرب وهو لم يتمكن من الجمع المتكرر. ولو سُمح بالانتقال دون تحقق، لتراكمت الثغرات بصمت، ولظهرت لاحقًا في حل المسائل وفي المستويات الأعلى. أما الرائز عند كل لبنة فيكشف الخلل مبكرًا، حين يكون علاجه سهلًا وسريعًا.
ومن الناحية العملية، يمنح هذا الرائز الأستاذ صورة دقيقة عن كل تلميذ: من تجاوز اللبنة بنجاح، ومن يحتاج إلى مزيد من الوقت. وهو أيضًا يعطي التلميذ نفسه إحساسًا بالتقدم، إذ يرى أنه أنجز لبنة وانتقل إلى أخرى.
المرحلة الخامسة: عند الإخفاق، وقت إضافي بدل تقدم شكلي
قد لا يبلغ بعض التلاميذ نسبة 70 بالمئة في لبنة معينة. وهذا أمر طبيعي في أي عملية تعلم، وقد وُضعت له آلية واضحة. ففي حالة الإخفاق تُضاف يومان لمعالجة اللبنة، ويتم ذلك بالتنسيق مع السيد المفتش.
ثم يُعاد تمرير الرائز، ويتكرر الأمر عند الاقتضاء، وهكذا إلى أن يبلغ التلميذ العتبة المطلوبة أو تُستكمل مرحلة الدعم.
القيمة التربوية لهذا الإجراء أنه لا يترك التلميذ يواجه صعوبته وحده، ولا يدفعه إلى الأمام رغم عدم استعداده. المهم أن يكون التقدم حقيقيًا، ولو تطلّب وقتًا أطول. ويكشف اشتراط التنسيق مع السيد المفتش أن الأمر ليس قرارًا فرديًا معزولًا، بل جزء من منظومة يتابعها الأستاذ والمفتش معًا.
المرحلة السادسة: الرائز البعدي وأثره على تقييم التلميذ
تنتهي مرحلة الدعم المكثف بعد استكمال اللبنات بـالرائز البعدي. وتُحتسب نتيجته على شكل نقطة تُمنح فرضًا أول في السنة الدراسية للتلميذ.
لهذا الربط بين الدعم والتقييم أثران. الأول أن التلميذ يرى أن جهده في مرحلة الدعم يظهر في نقطته، فيزداد حرصه على الانخراط فيها. والثاني أن الرائز البعدي، عند مقارنته بالرائز القبلي، يقيس فعالية الدعم نفسه، فيعرف الأستاذ إلى أي حد نجح مسار كل مجموعة.
ولا يقتصر الأمر على الحصول على نقطة، فمن الأهم أن يكتشف كل تلميذ أنه قادر على التقدم من نقطة الانطلاق التي بدأ بها، ولو كانت متواضعة.
حالة المستوى الأول
يُستثنى المستوى الأول من هذه السيرورة بمساراتها ولبناتها. ذلك أن تلاميذ هذا المستوى يستقبلون التعلمات الأولى لأول مرة، ولم تتراكم لديهم بعدُ ثغرات تستدعي المعالجة بالمعنى الذي وصفناه. لذلك يُعتمد معهم الدعم الاستباقي والوقائي فقط، أي تثبيت الأسس منذ البداية بدل انتظار ظهور الصعوبات ثم علاجها. وهو منطق وجيه، فالوقاية من الثغرة أيسر وأنجع من إصلاحها لاحقًا.
نصائح عملية لإنجاح السيرورة
بعد استعراض المراحل، تبقى بعض الملاحظات العملية التي تعزز نجاحها:
- الحرص على صدق الرائز القبلي: فهو أساس التوزيع كله، وأي خلل فيه ينعكس على المراحل اللاحقة.
- عدم التعامل مع المسارات كتصنيفات ثابتة: فالمقصود منها الانطلاق من مستوى مناسب، لا وصم التلميذ بمستوى معين.
- الالتزام بعتبة 70 بالمئة: فالتساهل فيها يُفرغ السيرورة من معناها.
- توثيق نتائج كل رائز: ليتمكن الأستاذ من تتبع كل تلميذ ومقارنة بدايته بنهايته.
- التواصل مع الأسرة: فإخبار أولياء الأمور بموقع أبنائهم في المسار وبتقدمهم يضاعف أثر الدعم.
- الحفاظ على الحماس: فالتلميذ الذي يرى أنه ينجز لبنة بعد أخرى يزداد ثقة بنفسه، وهذا محرك لا يقل أهمية عن أي وسيلة ديداكتيكية.
خلاصة
يمكن تلخيص سيرورة الدعم المكثف في الرياضيات في ست حلقات متصلة. رائز قبلي صادق يشخّص المستوى. ثم توزيع على المسارات الأول والثاني والثالث (وهذا الأخير من المستوى الرابع إلى السادس). ثم انطلاق كل مجموعة من اللبنة المناسبة في كراسة موحدة. ثم مواكبة برائز عند نهاية كل لبنة بعتبة 70 بالمئة. ثم يومان إضافيان بالتنسيق مع السيد المفتش عند الإخفاق. وأخيرًا رائز بعدي يُحتسب نقطةً في الفرض الأول. أما المستوى الأول فيقتصر على الدعم الاستباقي والوقائي.
وتكمن قوة هذه السيرورة في أنها تُحوّل الدعم من حصص إضافية عشوائية إلى مسار منظم، قابل للقياس وللتتبع. ونجاحها يتوقف على ثلاثة أمور: صدق التشخيص في البداية، وجدية المواكبة أثناء الطريق، وصبر الأستاذ على من يحتاج إلى وقت أطول.






